الذهبي

120

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام

هذا نصّ ما قاله اليسع . قال : وأمرهم بجمع العساكر ، فخرجوا إلى ناحية مرّاكش ، فوجدوا جيشا للمرابطين ، فالتقوا ، فانهزم المرابطون هزيمة مات فيها أكثر من شهدها ، وصبر فيها الموحّدون . فلمّا كان في سنة إحدى وعشرين تألّفوا في أربعين ألف راجل وأربعمائة فارس ، ونزلوا يريدون حضرة مرّاكش ، فحدّثني جماعة أنّهم نزلوا على باب أغمات بعد أن خرج إليهم المرابطون في أكثر من مائة ألف ، بين فارس وراجل ، فخذلوا ودخلوا المدينة في أسوأ حالة . فجاء من الأندلس ابن همبك في مائة فارس ، فشجّع أمير المسلمين ، وخرج فقاتل ، فانتصر المرابطون ، وقتل من المصامدة نحو من أربعين ألفا ، فما سلم منهم إلّا نحو أربعمائة نفس . كذا قال اليسع . وقال ابن خلّكان [ ( 1 ) ] : حضرت ابن تومرت الوفاة ، فأوصى أصحابه وشجّعهم ، وقال : العاقبة لكم . ومات في سنة أربع وعشرين إثر الوقعة الّتي قتل فيها الونشريسيّ ، ودفن بالجبل ، وقبره مشهور معظّم . ومات كهلا . وكان ربعة ، أسمر ، عظيم الهامة ، حديد النّظر ، مهيبا . وقيل فيه : آثاره تغنيك عن أخباره حتّى كأنّك بالعيان تراه ، قدم في الثّرى وهامة في الثّريّا ، ونفس ترى إراقة ماء الحياة دون ماء المحيّا . أغفل المرابطون ربطه حتّى دبّ دبيب الفلق في الغسق ، وترك في الدّنيا دويّا . وكان قوته من غزل أخته رغيفا في كلّ يوم ، بقليل سمن أو زيت . فلم ينتقل عن ذلك حين كثرت عليه الدّنيا . ورأى أصحابه يوما وقد مالت نفوسهم إلى كثرة ما غنموه ، فأمر بإحراق جميعه ، وقال : من كان يبتغي الدّنيا فما له عندي إلّا [ هذا ] [ ( 2 ) ] ، ومن كان يبتغي الآخرة فجزاؤه [ ( 3 ) ] عند اللَّه .

--> [ ( 1 ) ] في وفيات الأعيان 5 / 54 . [ ( 2 ) ] في الأصل بياض . [ ( 3 ) ] في الأصل : « فجزاءه » .